أخبار سريعة
الأربعاء 14 ابريل 2021

مقالات » قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم (3)

للكاتب: اللجنة العلمية في الفرقان

نسخة للطباعة

قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم (3)

  

الرَّدَّ على المخالفِ يُعدُّ واجبًا مِنْ واجباتِ الإسلامِ الكِبارِ على أهلِ العلمِ المتأهلينَ فيه، وَبه يُحفظُ الدِّينُ منْ عَادياتِ التبديلِ فيهِ، وغَوائلِ التحريفِ عليهِ، ولَهُ في ميزانِ الشريعةِ الغرَّاءِ شأنٌ عظيمٌ، وقدْرٌ كبيرٌ؛ ونتناول في هذه السلسلة قواعد الرد على المخالفين.

القاعدة الحادية عشرة

كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لازم

- أولاً: ينبغي أن يعلم أن اللازم من قول الله -تعالى-، وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - إذا صح أن يكون لازماً فهو حق، يثبت ويحكم به؛ لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق؛ ولأن الله -تعالى- عالم بما يكون لازمًا من كلامه وكلام رسوله، فيكون مرادًا، وكذلك قول الإنسان إما أن يكون موافقاً للكتاب والسنة فيكون حقاً، ولازمه حقاً، وإما أن يكون مخالفاً للكتاب والسنة فيكون باطلاً ولازمه باطلا

- ثانياً: اللازم من قول العالم له ثلاث حالات:

الحال الأولى: أن يذكر له لازم قوله فليتزمه

     مثل أن يقول لمن يثبت وزن الأعمال في الآخرة: يلزمك القول بجواز وزن الأعراض. فيقول المثبت: نعم التزم به، لأن أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، والله -تعالى- على كل شيء قدير، ثم إنه قد وجد في زماننا هذا موازين للحرارة، والبرودة، والإضاءة، ونحو ذلك من الأعراض، وهذا اللازم يجوز إضافته إليه إذا علم منه أنه لا يمنعه.

الحال الثانية: أن يذكر له لازم قوله فيمنع التلازم بينه وبين قوله

      مثل أن يقول نافي الصفات لمن يثبتها، يلزمك أن يكون الله -تعالى- مشابهاً للخلق في صفاته، فيقول المثبت: لا يلزم ذلك؛ لأننا عندما أضفنا الصفات إلى الخالق سبحانه قطعنا توهم الاشتراك والمشابهة، كما أنك أيها النافي للصفات، تثبت ذاتاً لله -تعالى- وتمنع أن يكون الله مشابها للخلق في ذاته، فقل ذلك أيضاً في الصفات؛ إذ لا فرق بينهما، وهذا اللازم لا يجوز إضافته إليه بعد أن بين هو وجه امتناع التلازم بين قوله وبين ما أضيف إليه.

الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتاً عنه فلا يذكر بالتزام ولا منع

     فهذا حكمه ألا ينسب إليه؛ لأنه إذا ذكر له اللازم فقد يلتزمه، وقد يمنع التلازم، وقد يتبين له وجه الحق فيرجع عن اللازم والملزوم جميعاً؛ ولأجل هذه الاحتمالات فلا ينبغي إضافة اللازم إليه ولا سيما أن الإنسان بشر، وتعتريه حالات نفسية وخارجية، توجب له الذهول عن اللازم؛ فقد يغفل، أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تدبر في لوازمه، ونحو ذلك، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات إنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة».

     لكن قد تذكر اللوازم الباطلة - لاسيما عند المناظرة - لإظهار شناعة المذهب الباطل (الملزوم)؛ لأن العاقل إذا نبه إلى ما يلزم قوله من اللوازم الفاسدة، فقد ينتبه ويرجع عن قوله، وأهل البدع - لاضطرابهم وتناقضهم - قد يفر الواحد منهم من اللازم الحق ليقع في اللازم الباطل، وهو يظن في ذلك السلامة، كالقدري يفر من لازم كون الله يضل من يشاء، فيقع في لازم كونه يقع في ملكه ما لا يشاء، وكذلك منكر الصفات يفر من التشبيه - بزعمه - فيقع في التعطيل، الذي قد يقوده إلى التعطيل الكامل فلا يعرف إلها موجوداً معبوداً!

 

القاعدة الثانية عشرة

الاستدلال بالدليل المتفق عليه على المسألة المتنازع فيها

     الخصمان إما أن يتفقا على أصل يرجعان إليه أم لا، فإن لم يتفقا على شيء، لم تقع بمناظرتهما فائدة، وإذا كانت الدعوى لابد لها من دليل، وكان الدليل عند الخصم متنازعاً فيه، ليس عنده بدليل، صار الإتيان به عبثاً، لا يفيد فائدة ولا يحصل مقصوداً، إذ مقصود المناظرة رد الخصم إلى الصواب بطريق يعرفه، فلابد من الرجوع إلى دليل يعرفه الخصم السائل، ولهذا كان الرجوع عند المسلمين إلى الكتاب والسنة، لاتفاقهم عليهما، وكان المرجوع إليه عند التنازع مع غير المسلمين ما يسلم به الكفار، كما قال -تعالى في محاجة الكفار -: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (المؤمنون: 84-90).

 

القاعدة الثالثة عشرة

الجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات

     وهي خاصة العقل الصحيح، وصفة الفطرة السليمة، وعليها قامت أحكام الشرع، فالشيء يعطى حكم نظيره، وينفى عنه حكم مخالفه، ولا يجوز العكس بحال: وهو أن يفرق بين متماثلين أو يجمع بين مختلفين، قال الله -تعالى- في ذم اليهود: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} (البقرة: 85)، وذلك أنهم أغفلوا حكم التوراة في سفك الدماء وإخراج أنفسهم من ديارهم، وأقاموه (أي حكم التوراة) في مفاداة الأسرى وكان الواجب عليهم إقامته في شأنهم كله، وقال -تعالى- في شأنهم -أيضًا-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} (البقرة: 91)، فكفروا برسالة محمد -[- مع ما فيها من التصديق لما معهم من التوراة والإنجيل، والجميع يخرج من مشكاة واحدة؛ فكان الكفر ببعض ذلك كفراً بالجميع وجحداً له، هذا في جانب التفريق بين المتماثلات، أما في جانب الجمع بين المختلفات، فقد قاس اليهود الرب -جل جلاله- على المخلوق الضعيف القاصر، فوصفوه -سبحانه- بصفات المخلوقين، فقالوا: {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} (المائدة: 64) وقالوا: {إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} (آل عمران: 181) وقالوا: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ} (التوبة: 30) وفيه إثبات الصاحبة والولد وهي من صفات المخلوقات، ويشركهم في ذلك النصارى القائلون: {المَسِيحُ ابْنُ اللهِ} (التوبة: 30)، فكل من فرق بين متماثلين، أو جمع بين مختلفين من مبتدعة المسلمين يكون فيه شبه من اليهود والنصارى، وهم إمامه وسلفه في ذلك.

نفاة الصفات

     فنفاة الصفات: بعضها أو جميعها، أو الصفات دون الأسماء، أو الصفات والأسماء جميعاً، فرقوا بين المتماثلات؛ إذ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر نفياً وإثباتاً، وكذلك القول في الصفات كالقول في الأسماء، وكذلك القول في الصفات والأسماء فرع عن القول في الذات، وهم -أيضاً- قد جمعوا بين المختلفات، لأنهم لم يعتقدوا التعطيل إلا بعد أن قامت عندهم شبهة التشبيه، ولهذا كان كل معطل مشبهاً.

نفاة القدر

     ونفاة القدر فرقوا بين المتشابهات والمتماثلات من وجه؛ حيث اعتمدوا النصوص التي تثبت قدرة العبد ومشيئته، وأنكروا النصوص التي تثبت قدرة الخالق ومشيئته وخلقه وسابق علمه، وجمعوا بين المختلفات من وجه؛ حيث قاسوا المخلوق بالخالق، وجعلوهما سواء فيما يجوز ويجب ويمتنع. قال ابن قتيبة -رحمه الله-: «ألا ترى أن أهل القدر حين نظروا في قدر الله الذي هو سره بآرائهم، وحملوه على مقاييسهم؛ أرتهم أنفسهم قياساً على ما جعل في تركيب المخلوق من معرفة العدل من الخلق على الخلق، أن يجعلوا ذلك حكماً بين الله وبين العبد، فقالوا بالتخلية والإهمال، وجعلوا العباد فاعلين لما لا يشاء، وقادرين على ما لا يريد، كأنهم لم يسمعوا بإجماع الناس على: ما يشاء الله كان وما لا يشاء لا يكون».

التفريق بين نصوص الوعيد

والوعيدية من الخوارج والمعتزلة فرقوا بين نصوص الوعيد فآمنوا بها، وبين نصوص الوعد فكفروا بها، والجميع يخرج من مشكاة واحدة، وفي المقابل المرجئة آمنوا بنصوص الوعد، وكفروا بنصوص الوعيد.

التفريق بين الكتاب والسنة

     وممن خالف هذه القاعدة - أيضاً - من فرق بين الكتاب والسنة فاعتمد الكتاب دون السنة، وكذلك من فرق بين نصوص الأحكام فاعتمدها، وبين نصوص العقائد فأعرض عنها بتأويل أو تفويض، أو تكذيب إن كانت أحاديث آحاد، وكذلك من فرق بين السنة والمتواترة وسنة الآحاد في باب العقائد أو الأحكام، فكل هؤلاء واقعون في التناقض والاضطراب، والواجب عليهم الجمع بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات حتى يسلموا مما هم فيه.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة