رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
20 سبتمبر، 2022
3 تعليق

صلاح الأوطان - وواجب المسلم تجاه وطنه

 

قال -تعالى-:{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} (هود:61), انطلاقا من الآية الكريمة؛ حيث نصح صالح -عليه السلام- قومه بوصايا نفيسة بها تنال خيرات الدينا والآخرة، فيمكن القول: بأن واجب المسلم تجاه وطنه يتلخص في أمور منها:

الأول: عبادة الله -تعالى- بمعناها الشامل:

     جاء الأمر بعبادة الله وحده في هذه الآية وآيات كثيرة، وعبادة الله -سبحانه- معنى واسع، يشمل الشعائر التعبدية التي يتقرب بها المسلم إلى ربه بالصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة، والذكر وقراءة القرآن ونحوها، وتشمل العبادة كذلك إقامة حياة الإنسان وفق المنهج القرآني كما قال -تعالى-: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام:162-163)، وذلك يشمل الجوانب الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية وغيرها من حياة الإنسان الفردية والمجتمعية والدولية، فواجب المسلم أن يقيم العبودية لله -تعالى- في وطنه بأن يستقيم على منهج الله -تعالى- ظاهرا وباطنا كما قال -تعالى-: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (هود:112).

الثاني: عمارة الأرض وتحقيق المنافع الدنيوية:

     عمارة الأرض وهو إحياؤها بما فيه منفعة الناس، وجلب المصالح ودرء المفاسد من المقاصد الشرعية، قال زيد بن أسلم: أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن، وغرس أشجار.

     وقال ابن العربي: الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله -تعالى- على الوجوب، فقوله -تعالى-: {استعمركم فيها} خلقكم لعمارتها.

     قال ابن سعدي: «{وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي: استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، ومكّـنـكم في الأرض، تبنون، وتغرسون، وتزرعون، وتحرثون ما شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون مصالحها؛ فكما أنه لا شريك له في جميع ذلك، فلا تشركوا به في عبادته».

     وهذا يستلزم الأخذ بالعلوم الدنيوية النافعة التي تحقق عمارة الأرض، والعمل بأسس الحضارة والمدنية التي تنهض بالناس والمجتمعات، والبعد عن الفوضى والجهالات التي تضيع المصالح الدينية والدنيوية.

     فواجب المسلم أن ينفع نفسه ووطنه ومن له حق عليه من الأقارب وإخوانه المسلمين بما يستطيع من علم نافع، أو عمل صالح، أو مساهمة مفيدة، أو دعوة صالحة، وأقل ذلك كف الأذى والبعد عن الشرور ما قل منها وما عظم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم  مبينا كيف يساهم المسلم في نشر الخير وعمارة الأرض بالمصالح المفيدة- فقد سأله أبو ذر فقال: دُلَّني على عملٍ إذا عمِلَ العبدُ بِه دخلَ الجنَّةَ. قال: «يُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِر». قلتُ: يا رسول الله، إنَّ مع الإيمانِ عَملاً؟ قال: «يَرضَخُ مِمّا رَزَقَهُ الله». قلتُ: يا رسول الله، أرأيتَ إنْ كان فَقيراً لا يَجِدُ ما يَرضَخُ بِه؟ قال: «يأمُرُ بالمعروفِ، ويَنْهى عنِ المنكَرِ». قال: قلتُ: يا رسول الله، أرأيتَ إنْ كانَ عَيِيّاً لا يَسْتَطيعُ أنْ يأمُرَ بالمعروفِ، ويَنْهَى عنِ المنكَرِ؟ قال: «يَصْنَعُ لأَخْرَقَ». قال: أرأيتَ إنْ كانَ أَخْرقَ لا يستطيعُ أنْ يَصْنَع شيئاً؟ قال: «يُعين مَغْلوباً». قال: أرأيْتَ إن كان ضعيفاً لا يَسْتَطيعُ أن يُعين مَغْلوباً؟ قال: «ما تريدُ أنْ يكون في صاحِبِكَ مِنْ خيرٍ؟ يُمْسِكُ عَنْ أذىَ الناسِ». فقلت: يا رسول الله، إذا فَعلَ ذلك دخَل الجَنَّةَ؟ قال: «ما مِنْ مسلمٍ يفعَلُ خَصْلَةً مِنْ هؤلاء، إلا أخَذَتْ بِيَدِه حتى تُدْخِلَه الجَنَّةَ» الطبراني وحسنه الألباني.

الثالث: البعد عن المخالفات الشرعية:

     من واجبات المسلم تجاه نفسه ووطنه، البعد عن المخالفات الشرعية من الشرك والبدع والكبائر والصغائر؛ لأن النعم تدوم بالشكر والطاعة، وتزول بالكفر والمعاصي، كما قال -تعالى-: {وإذ تأذن ربكم لأن شكرتم لأزيدنكم}، ومن أكبر أسباب زوالها الكفر والبطر، وسوء استعمالها وصرفها عما يقتضيه الشرع والعقل.

     وأول واجب (التذكر) وعدم نسيان النعم أو التغافل عنها، فنحن في نعم كثيرة يرجو بعضها كثير من الناس، ومع الأسف يغلب على بعض الناس الغفلة والتسخط، قال -تعالى- مبينا واجب التذكر: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم}، قال الشيخ ابن سعدي موضحا كيفية التذكر: «باللسان حمدا وثناء، وبالقلب اعترافا وإقرار، وبالأركان بصرفها في طاعة الله».

     وبين -رحمه الله- ثمرة كثرة ذكر النعم فقال: «فإن في استدامة ذكرها داعيا لشكر الله -تعالى- ومحبته وامتلاء القلب من إحسانه». ومن واجب المسلم تجاه النعم (الشكر) كما قال -تعالى-: {واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون} قال الشيخ ابن سعدي: «أي: إن كنتم مخلصين له العبادة فلا تشكروا إلا إياه، ولا تنسوا المنعم».

     وقد بيّن أن الكفر من أسباب زوال النعم فقال -تعالى-: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار}، وقال -سبحانه-: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الأعراف:96) قال ابن كثير: «فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم».

     والعصيان سبب الحرمان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه» رواه أحمد وقد أخرج الإمام أحمد عن النعمان بن بشير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» وحسنه الشيخ الألباني.

الرابع: الاستغفار والتوبة:

     المسلم ليس معصوما من الذنوب والتقصير، وقد شرع الله -تعالى- ما يجبر ذلك وهو التوبة والاستغفار، كما أرشد صالح -عليه السلام- قومه في هذه الآية، قال الطبري: «وقوله: (فاستغفروه)، يقول: اعملوا عملا يكون سببًا لستر الله عليكم ذنوبكم، وذلك الإيمان به، وإخلاص العبادة له دونما سواه، واتباعُ رسوله صالح، (ثم توبوا إليه)، يقول: ثم اتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم، إلى ما يرضاه ويحبه«.

     فالاستغفار والتوبة سبيل لاستدرار الخير من الله، ودوام النعم بإذن الله فقد قال -تعالى-: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} (سورة نوح:10-12) وقال -سبحانه-: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} (سورة هود:3) قال القرطبي: «فيه دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والمطر».

الخامس: اللجوء إلى الله -تعالى- القريب المجيب:

     ومن أهم واجبات المسلمين تجاه أوطانهم الضراعة إلى الله -تعالى- في كل وقت بأن يديم الأمن والأمان، ويصلح الحال والأحوال، ويصرف الشر والأشرار، فمقادير كل شيء بيد الله، وهو على كل شيء قدير، فصلاح الأوطان بيد الله -تعالى-، وإنما ينال ما في يده بطاعته والرغبة إليه، كما ختم الله -تعالى- الآية بقوله: {إن ربي قريب مجيب}.

قال ابن سعدي: «أي: قريب ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب.

     وفي هذه الآية، وفي قوله -تعالى-: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} وهذا النوع قُربٌ يقتضي إلطافه -تعالى-، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يقرن باسمه (القريب) اسمه (المجيب).

 

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads