رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
20 سبتمبر، 2022
3 تعليق

روائــع الأوقـاف في الرعاية الصحية العامة

لا يزال الوقف رصيدًا حضاريًّا وإنسانيًّا، استظل الناس جميعًا بظلّه زمانًا ومكانًا، وشاهدًا للأمة بتحقيقها للخيرية، ومبشرًا لها بالتمكين والرفعة، وللكشف عن كنوز الوقف، وما وقع في ميدانه من الإبداعات والروائع والإشراقات، ولتدوين إسهاماته الحضارية منذ القرن الأول إلى أيامنا التي نعيش، نعرض بعضاً من نماذجه الرائعة.

 

     قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أصبح منكم مُعَافًى في جسده، آمناً في سِرْبِه، عنده قُوت يومه، فكأنّما حِيْزَت له الدنيا»، ففضلُ العافية لا يعدلُه شيء، وربّما لا يبصرُه حقًّا إلّا من فقدها، وقد جاء في الشّرع المبارك أنّ من الأذكار الراتبة في صباح كلِّ يومٍ ومسائه قولُ المسلم: اللهمّ عافني في بدني، اللهمّ عافني في سمعي، اللهمّ عافني في بصري، لا إله إلا أنت.

التشريعات الإسلاميّة

     وكلُّ ما جاء من التشريعات الإسلاميّة، من إباحة التداوي، والنهي عن الإفراط في الطّعام، والمنع من كلِّ ما قد يفضي إلى إلحاق الضَّرر بالبَدَن، إنّما يصبّ في صالح حفظ صحّة الإنسان، وهو الأمر المعبَّر عنه في علم المقاصد الشرعيّة بحفظ النّفس.

من العلوم الشريفة

     هذا مع كون علم الطِّبِّ من العلوم الشريفة التي امتدحها العلماء، وأجمعوا على أنّها فرضٌ على الكفاية، وقد عُرف بها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وأُدرج (كتاب الطِّبِّ) ضمن كتب السُّنَّة المطهّرة كما نراه في أجلّ كتب الحديث وأرفعها قَدْراً صحيح الإمام البخاريّ -رحمه الله-، وقد عُرفت به أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- وحرصت عليه، فقد قال لها عروة بن الزبير: يا أمَّتَاه، لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة نبيِّ الله، وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلمَ الناس، ولكن أعجب من علمك بالطِّبِّ! كيف هو؟ ومن أين هو؟ أو ما هو؟!

     قال: فضربت على منكبه، وقالت: أيْ عُرَيَّة، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسقَم عند آخر عمره -أو في آخر عمره-، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له، فمن ثَمَّ.

ممارسة المسلمين للطب

     مارس المسلمون الطِّبَّ بمنتهى الكفاءة، وكان -ولا يزال- جزءاً مهمًّا من حضارتهم، مع امتيازهم بلمسةٍ إنسانيّة وصفاتٍ حانيةٍ على نحو خاصٍّ فيه، وكثُر الأطبّاء في العالم الإسلاميّ، حتى أُفردت في تراجمهم وأخبارهم الكتُب، ومنها كتاب (عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء) الذي جمعه موفّق الدّين أحمد بن القاسم بن خليفة الخزرجي الأنصاري، المعروف بـ (ابن أبي أُصَيْبِعَة)، المتوفى في (668 هـ)، وهو كتابٌ حافلٌ بأخبار الأطبّاء في العالم الإسلاميّ، سواءً المسلمين منهم وهم الأكثر، أو غير المسلمين ممّن احتضنتهم الخلافة الإسلاميّة واعتصرت خبراتهم في مؤسّساتها الطبيّة ومستشفياتها الوقفيّة، تقديراً لهم ولعلومهم، وكذلك حفل الكتاب بذكر مصنّفات الأطبّاء وتفانيهم في وظائفهم ومختلف خدماتهم.

مكوّنات المشهد الحضاريّ

     ولما كان من مكوّنات المشهد الحضاريّ وله هذا الحجم، لم يكن ممكناً أن يغيب عن الراغبين في الخير أن يجعلوا استثماراتهم الأخرويّة فيه، فكانت الأوقاف في مجال الخدمات الصحيّة ممّا بهرَ فيه المسلمون غيرَهم كالعادة، ونالت المستشفيات والصيدليّات ومعامل الأدوية، وأدوات العلاج، وأرزاق الأطبّاء، حظًّا وافراً من اهتمامات الواقفين، على نحوٍ فاض فيه الخير، وأربى فيه العطاءُ على المراد، وسنكتفي بإيراد نماذج من ذلك تتبيّن بها الصورة -إن شاء الله.

من أوائل المستشفيات في الإسلام

     قالت عائشة -رضي الله عنها-: أُصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - خيمةً في المسجد ليعوده من قريب، فلم يَرُعْهُم -وفي المسجد خيمةٌ من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم! فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قِبَلِكُم؟! فإذا سعدٌ يغذو جرحُه دماً، فمات فيها، رواه البخاريّ في (صحيحه)(463)، وبوّب عليه: (باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم).

     قال الحافظ في بيان هذه الخيمة وطبيعتها نقلاً عن ابن إسحاق: «كلام ابن إسحاق يدلُّ على أنه كان مقيماً في مسجد المدينة حتى بعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحكم في بني قريظة، فإنّه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل سعداً في خيمة رُفَيْدَة عند مسجده، وكانت امرأةً تداوي الجرحى، فقال: اجعلوه في خيمتها لأعودَه من قريبٍ».

     والشاهد منه أنّ هذه الخيمة كانت قد اتُّخذَت خصِّيصاً في المسجد لعلاج الجرحى ومداواتهم، بل أشار ابن الملقّن إلى أنّ منفعتها كانت قد امتدّت إلى غير الجرحى، فوصفها بقوله: «هذه الخيمة كانت لرُفَيْدَةَ الأنصارية، وقيل: الأسلمية، وكانت تداوي الجرحى، وتحتسب بخدمتها من كانت فيه ضيعة من المسلمين».

أوّل مستشفىً ثابت

     قال المقريزي: «وأوّل من بنى المارستان في الإسلام ودارَ المرضى الوليدُ بن عبدالملك، وذلك في سنة ثمان وثمانين، وجعل في المارستان الأطباء، وأجرى لهم الأرزاق، وأمر بحبس المُجَذَّمِين لئلّا يخرجوا، وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق»، ثمّ تطوّر الأمر إلى أن صار في مدينة قرطبة وحدها أكثر من خمسين مستشفى!

     وتتحدّث المستشرقة الألمانيّة الشهيرة (زيغريد هونكه) بغاية الانبهار عن طريقة تمويل كلّ مستشفيات العالم الإسلاميّ، فتقول: «تُرى من أين كان يُؤتى بكلّ هذه الأموال؟! ألم يكن ثمّة من خطر أن يزداد المصروف على المؤسسات الطبيّة فيتعدّى حدود المعقول؟! فمستشفى المنصوري وحده كان يستهلك سنويًّا ما قيمته مليون درهم! وكانت كلُّ هذه الأموال تُحصَّل من الأوقاف التي كانت تُخصّص للمستشفيات لدى تأسيسها...».

مستشفى أحمد بن طولون

     أنشأه أحمد بن طولون (والي مصر للدّولة العبّاسيّة) سنة 259هـ في مدينة القطائع وهي إحدى أجزاء القاهرة القديمة، وكان مشروعاً وقفيًّا حضاريًّا ما زال التاريخ يذكرُه، ولا أحسبُه سيكفّ عن ذلك، أنفق على بنائه ستّين ألف دينار، ووَقَفَ عليه سوق الرّقيق، وغيره من الأسواق، وشَرَطَ ألا يُعالج فيه جنديٌّ ولا مملوك، أي: لأنّ هؤلاء نفقةُ علاجهم عليه هو! وإنّما أراده لعامّة النّاس، ومن جملة أوقافه أيضاً: دار الدِّيوان، ومجموعة دور أخرى كان يملكها، وبنى حمّامين أحدهما للرّجال والآخر للنساء، ووقَفَهما عليه أيضاً.

     واشترطَ ابن طولون في عمل المستشفى أنه إذا جاءه مريض تُنزع عنه ثيابه، وتُؤخذ منه نفقته وما يحمله من متاع، ويُحفظ عند أمين المستشفى، ثمّ يُفرش له ويُغذّى، ويُؤمر له بالأدوية التي يحتاجها وبالرعاية الطبيّة الشاملة، فما علامةُ بُرْء المريض وشفائِه في ذلك المستشفى يا ترى؟

     لقد كانت علامة الشفاء التي قنعَ بها الواقفُ هي أن يأكل المريضُ فرُّوجاً ورغيفاً، ويستقرّ الطعام في جوفه، فإذا فعل ذلك، كُتب له الخروج، وأخذ مالَه وثيابَه من مستودع الأمانات في المستشفى.

الرسالة الاجتماعيّة للمستشفى

     وإتماماً للرسالة الاجتماعيّة للمستشفى، فإنّ المريض عندما يُشفى ويُصرّح له بالخروج، كان يُعطى مبلغاً من المال يُنفق منه على نفسه؛ لئلّا يضطرّ إلى القيام بأعمال تُجهده فيعاوده المرض! وكسوة له كذلك، وأُلحقت به مكتبةٌ كان فيها ما يزيد على مائة ألف مجلّد كما أشرنا إليه سابقاً في حديثنا عن المكتبات الوقفيّة، الأمر الذي يدلُّ على أنّه كان على نظام المستشفيات الجامعيّة المعاصرة، على الرغم من كلِّ هذا التقدُّم في زمنه، بل يتفوّق عليها كثيراً لما كان فيه من اللَّمسة الإنسانيّة كما سبق، فإنّه لا يُعرف إلى اليوم مستشفى في العالَم، يُوجد في نظامه الداخليّ ما ينصُّ على إعطاء المريضِ مالاً عند مغادرتِه، اللهمّ إلا أن تكون مبادرةً شخصيّةً من أحدهم.

 

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads