أخبار سريعة
الأربعاء 14 ابريل 2021

الملفات » دروس مستفادة من صلح الحديبية - قد يكون اليسر في العسر والضيق في الفرج

للكاتب: أحمد الشحات

نسخة للطباعة

 دروس مستفادة من صلح الحديبية - قد يكون اليسر في العسر والضيق في الفرج

الحكم والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية أكبر وأجَّل من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، وقد سطَّر القرآن هذه الدروس والفوائد في ثنايا سورة الفتح؛ حيث أنزل الله -عز وجل- هذه السورة فيما كان من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر الكافرين، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود، - رضي الله عنه -، وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، واليوم مع الدرس الثاني وهو: قد يكون اليسر في العسر والضيق في الفرج.

     وهذه حقيقة قائمة، يشهدها الناس في حياتهم ومعاشهم مرات ومرات، فالعسر يبشر باليسر، والضيق مفتاح الفرج، لكن القضية تتمثل في مدى توفر القدرة القلبية على الصبر والتحمل وقت العسر حتى يتمكن من أن يتذوق معنى اليسر والفرج بعد ألم الضيق والكرب، والمتأمل في هذه الهدنة يجد أنها كانت من أعظم الفتوح؛ فإن الناس أمن بعضهم بعضا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادءوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختفيا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله فتحا مبينا.

حقيقة الأمر

     وحقيقة الأمر أن الفتح - في اللغة - فتح المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين في الحديبية كان مسدودا مغلقا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيم وهضم للمسلمين، وفي الباطن عز وفتح ونصر، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه، كما قال -تعالى-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: ٢١٦).

الوثوق بنصر الله -تعالى

     فكان يدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله وتأييده له، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروط واحتمالها هو عين النصر، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم وهم لا يشعرون، فذلوا من حيث طلبوا العز، وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجنده من حيث انكسروا لله واحتملوا الضيم له وفيه، فدار الدور وانعكس الأمر وانقلب عز الباطل ذلا بحق، وانقلبت الكسرة لله عزا بالله، وظهرت حكمة الله وآياته وتصديق وعده ونصرة رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها.

أعظم الفتوح

     يقول الزهري:- «لقد كان يوم الحديبية أعظم الفتوح، ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع صلح مشى الناس بعضهم في بعض، أي تفرقوا في البلاد فدخل بعضهم أرض بعض من أجل الأمن بينهم، وعلموا وسمعوا عن الله فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف»، وقد كان، وولد من رحم هذه الأزمة فتوح قريبة وفتوح كثيرة وأفضال ومنن لا تعد كثرة، ولولا وقوع هذا الضيق واحتمال ما يستتبعه من آلام، لما حصل للمسلمين هذه العطايا العلوية والفتوحات الأرضية، ليبقى المؤمن في عافية قلبية مع أقدار الله -عز وجل- المحبوب منها والمكروه.

النصر سنة ثابتة للمؤمنين

     ومن ذلك أن القرآن صرح بأن النصر سنة ثابتة للمؤمنين، والهزيمة سنة دائمة للكافرين، ورغم أنها سنة دائمة لا تتبدل ولا تتخلف إلا أنها قد تتأخر إلى أجل، ولأسباب قد تتعلق باستواء المؤمنين واستقامتهم، أو تتعلق بتهيئة الجو الذي يولد فيه النصر للمؤمنين والهزيمة للكافرين، لتكون له قيمته وأثره. أو لغير هذا وذاك مما يعلمه الله. {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (الفتح: ٢٢-٢٣)، فالله -سبحانه- يخبرنا بأن الكفار لو قاتلوا أولياءه، لولى الكفار الأدبار غير منصورين، وأن هذه سنته في عباده قبلهم، ولا تبديل لسنته، فإن قيل: فقد قاتلوهم يوم أحد وانتصروا عليهم ولم يولوا الأدبار؟ قيل: هذا وعد معلق بشرط مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى.


أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة